مناع القطان
267
مباحث في علوم القرآن
قد علمت قريش أني من أكثرها مالا ، قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له وكاره ، قال : وما ذا أقول ؟ فو اللّه ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن ، واللّه ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا ، وو اللّه إن لقوله الذي يقول لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه ليعلو وما يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته ، قال : واللّه لا يرضى قومك حتى تقول فيه ، قال : فدعني حتى أفكر ، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر ، يأثره عن غيره ، فنزلت ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً 11 - المدثر ) » « 1 » وحيثما قلب الإنسان نظره في القرآن وجد أسرارا من الإعجاز اللغوي . يجد ذلك في نظامه الصوتي البديع بجرس حروفه . حين يسمع حركاتها وسكناتها ، ومدّاتها وغنّاتها ، وفواصلها ومقاطعها ، فلا تمل أذنه السماع ، بل لا تفتأ تطلب منه المزيد . ويجد ذلك في ألفاظه التي تفي بحق كل معنى في موضعه ، لا ينبو منها لفظ يقال إنه زائد ، ولا يعثر الباحث على موضع يقول إنه يحتاج إلى إثبات لفظ ناقص . ويجد ذلك في ضروب الخطاب التي يتقارب فيها أصناف الناس في الفهم بما تطيقه عقولهم ، فيراها كل واحد منهم مقدّرة على مقياس عقله ووفق حاجته ، من العامة والخاصة ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ 17 - القمر ) ويجد ذلك في إقناع العقل وإمتاع العاطفة ، بما يفي بحاجة النفس البشرية تفكيرا ووجدانا في تكافؤ واتزان ، فلا تطغى قوة التفكير على قوة الوجدان ، ولا قوة الوجدان على قوة التفكير . وهكذا حيثما قلب النظر قامت أمامه حجة القرآن في التحدي والإعجاز « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم وصححه ، والبيهقي في الدلائل . ( 2 ) راجع الإعجاز اللغوي في « النبأ العظيم » بتوسع .